خليل الصفدي
179
أعيان العصر وأعوان النصر
الدين تنكز - رحمه اللّه تعالى - . ثم توجه إلى مصر ، وباشر في ديوان الأسرى بدمشق ، وبيده فقاهات في المدارس . ولما كان في أواخر أيام الأمير سيف الدين يلبغا نائب دمشق نزل له ابن البياعة « 1 » عما باسمه على كتابة الإنشاء بدمشق فدخل ديوان الإنشاء ثم إنه توجه إلى الحجاز في سنة ثمان ، وخمسين ، وسبعمائة ، وعاد مع الركب المصري . فاتفق أنه مات في تلك الأيام شرف الدين موقع غزة فاستخدمه القاضي علاء الدين بن فضل اللّه في توقيع غزة فحضر إليها ، وباشرها مدة بنفس قوية حتى على النواب . فنفرت القلوب منه ، وكثرت الشكاوى عليه بباب السلطان فرسم بعزله ، ومع عناية القاضي علاء الدين معه خرج منها ، وقد كاد يعطب . وكان قد نزل عن بعض جهاته لقاضي غزة من مباشرة الأسرى ، وقام باسم أولاده على كتابة الإنشاء بدمشق ، وأخذ من القاضي الخطابة بجامع الجاولي ، والتدريس . حكى لي القاضي شرف الدين قاضي غزة أنه صعد المنبر فقال : الحمد للّه ، وسكت ساعة ثم قال : الحمد للّه ، وسكت ساعة فعل ذلك مرارا ! حتى إنه قال لي النائب : قم أنت اخطب ، فخطبت عنه ذلك النهار ، ولما حضر إلى دمشق رسم السلطان الملك الناصر حسن بإبطال من استجد بديوان الإنشاء بعد الشهيد ، فبطل هو لأنه كان قد قايض قاضي غزة بماله على كتابة الإنشاء من الأيام الشهيدية ، وأبقى له على ذلك ما استجد فجرت بينه وبين القاضي مخاصمات ، ومحاورات ، ومحاكمات ، كادت تفضي إلى ملاكمات ، ولم يثبت له شيء ، فتوجه إلى مصر فمرض مرضة طويلة بالبيمارستان المنصوري ثم إنه خرج في محارة مع العرب فلما كان بين سرياقوس والقاهرة أو بعد سرياقوس توفي - رحمه اللّه تعالى - فحمله العرب إلى بلبيس ، ودفن بها عفا اللّه عنه وسامحه . وكان أولا يعرف بالزينبي ثم إنه أخيرا كتب عن نفسه الجعفري . وكان إذا خاصم أحدا يقول : أنا ابن بنت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فقلت له : يا مولانا السيد كنت أعرف ما تقول ، إن كنت جعفريا ، فهذه نسبة إلى جعفر الطيار أخي علي بن أبي طالب رضي اللّه عنهم ، وجعفر ما تزوج ببنت رسول اللّه صلّى اللّه عليه ، وسلم ، والذي تزوج بها أخوه علي بن أبي طالب ، فإن أردت النسبة إلى بنت رسول اللّه صلّى اللّه عليه ، وسلم ، فقل : أنا علوي ؛ لأنك تكون من أولاد الحسن والحسين رضي اللّه عنهم . فأخجله هذا ، ولم يرجع عن هذه الدعوى ، سامحه اللّه وعفا عنه . وكان مبغضا إلى كل من يرافقه من فقهاء المدارس ، وكتاب الجامع الأموي ، وكتاب الإنشاء حتى أنشدني فيه بعض الناس : ( المجتث )
--> ( 1 ) ستأتي ترجمته .